محمد بن عبد الله الصفار

161

رحلة الصفار إلى فرنسا

عن الماء الحلو ، إلا أنه لا يقوم مقامه في العذوبة والحلاوة ، لاكن يكتفى به عند عدم غيره . فسألنا عن ذلك رئيسه ، فأخبرنا بما مضمنه ، أنهم يقطرونه حتى ترتفع ملوحته لأعلا ويبقى الأسفل حلوا ، أو بالعكس لم أتحقق ذلك منه وقتئذ لعدم فصاحة الترجمان . وذكر لنا في طي ذلك تشبيها ، وهو أن ماء المطر يرتفع من البحر وتذهب ملوحته بحر الشمس فكذالك هذا ، وحرارة النار تقوم مقام حرارة الشمس ، هذا ما ذكر لنا ولم يبلغنا بحقيقة الكيفية ، وجرب ففي التجريب علم الحقائق . وعندما طلعنا له تلقونا بموسيقاهم وطنابيرهم « 1 » ، وبعد أن حصلنا فيه رفعوا راية سلطاننا حتى جعلوها في رأس صاريهم الكبير العالي فوق بنديرتهم « 2 » ، وأطلقوا من مدافع الفرح ما ينيف على الماية وثلاثين عمارة . ثم نزلنا منه وسرنا لنابيوس « 3 » كبير أيضا فيه من المدافع ماية واثنان ، فطلعنا له فإذا هو من أعظم ما يكون وأتقنه ، وفيه ما يحير الناظر ، وبالجملة فهو مدينة حصينة على ظهر الماء . فتلقونا أيضا بالموسيقى وتصفيف من فيه من العساكر ، وكانوا كثيرين ، وبعد استقرارنا فيه رفع أيضا رايتنا فوق رايتهم ، وطلب منا أن نتماشى فيه لننظر ما هنالك . ومن طبعهم أنهم يعجبهم أن يروا ما عندهم ولا يتركون عندهم شيئا جليلا أو حقيرا إلا أطلعونا عليه . فمن جملة ما فعلوا لنا في هذا النابيوس مما هو في الظاهر فرحة ، وفي الباطن تخويف وقرحة ، مع أنا والحمد لله لا نخافهم وإنما نخاف الله . أنهم أرونا كيفية حربهم بالمدافع في هذا المركب ، إذا عرض لهم فيه حرب ، بينما كل واحد من خدمته ومن يباشر ذلك جالس أو قائم في موضعه الذي هو فيه وهم على غفلة ، إذ صاح بهم كبيرهم فأقبلوا جميعا ، وكل واحد جاء قاصدا لشغله . فصاحب البارود مثلا جاء قاصدا لقرطاس البارود ، فأخذه وذهب به إلى مدفعه المعين الذي لا يذهب إلا إليه ولا يذهب لغيره . وكذلك صاحب المدق ومن يجبذ المدفع

--> ( 1 ) مفردها طنبور أو طنبار ، والمقصود بها هنا أصناف من الآلات الموسيقية ( المعرب ) . ( 2 ) البنديرة ، وهي الراية ، وأصلها من الإسبانية بنديرة ( bandera ) ، 118 : 1 Dozy ( المعرب ) ( 3 ) ربما كان أصل هذه الكلمة من الإسبانية نافيو ( navio ) ، أي مركب . وكان الأمر يتعلق بالمركب الحربي الكبير المسمى جيمابيس ( Jemmapes ) ، الذي استعملته البحرية الفرنسية عند رميها لمدينة طنجة بالقنابيل قبل ذلك التاريخ بستين ، انظر الدراسة والهامش رقم 58 في الصفحات السالفة من هذا الكتاب .